يا أيها المسلمون فل نعانق السحاب
وكيف وصلنا إلى هذه الحالة من الفزع من الآخر ؟ هذا ما أحاول أن ألقي عليه بعض الأضواء.
أولا : الفزع من الآخر ورفضه هو حالة مرضية ولكن الأمثلة التي تضرب في هذا المجال يبدوا أنها تخلط بين مستويين من الحوار والتواصل . فإذا ذكرنا الصهيونية والإمبريالية فيجب أن لا نخلط هذا بالمستوى الفكري عندما نذكر الأخر. المسلم كإنسان ذو رسالة حضارية يتشبع بها بدرجات متفاوتة واعية أو غير واعية ضعيفة أو قوية تكسبه آلية للدفاع عن نفسه وهويته بشكل طبيعي، فرفض الآخر لما نتكلم عن الصهيونية والاستعمار هو رفض مشروع سياسي وهذا طبيعي وظاهرة صحية. ولكن تختلف تمظهرات هذا الرفض وقد تكون غير سليمة أو عاجزة أو تزيد الطين بلة ، أو تكون مجرد ردود أفعال… ولكن أصل الرفض ظاهرة صحية تتعلق بمناعة الجسم وآليته التلقائية للدفاع ، أما رفض الآخر من حيث هو فكرة فهو رفض مرضيّ. أما كيف وصلنا إليه فهذا موضوع آخر يحتاج إلى دراسة وتحليل، ويحتاج إلى قراءة في تاريخ الاجتماع الإسلامي وتاريخ العقل المسلم وتاريخ الممارسة الإسلامية في الفكر والفعل الحضاري ولكن بشكل عام وصلنا إلى الرفض المطلق للآخر عندما وصلنا إلى الضعف المطلق
والقرآن الكريم يقدم هذا الدرس ، فالقرآن الكريم يفخر في ستة مواضع بأنه قرآن عربي. والقرآن الكريم كذلك لم يستعمل من العربية إلا عشرة بالمائة أقل من مائة وخمسين ألف كلمة مقابل مليون ونصف كلمة عربية. إذاً لم يستنفد القرآن الكريم العربية حتى يذهب إلى سواها. فالقرآن عربي والمفروض انه لا يحتاج إلى الآخر وعمليا مازال عنده وفرة، فلماذا يعتمد القرآن مائتي كلمة من تسع لغات. هذا درس في الانفتاح على الآخر ، وإن إثبات هويتك كعربي لا تتم إلا بالانفتاح على الآخر وعناصر بناء الآخر وإعادة تشكيلها. فتمام الهوية يتم بالانفتاح على هوية الآخر، ولا تعيش هوية بذاتها أبداً بل تموت بالعزلة والتقوقع. وقد سألت المفكر روجيه جارودي أن يلخّص لي بكلمات قليلة كيف انتقل المسلمون من العظمة إلى الانحطاط (وهو عنوان لأحد كتبه)، قال لي: عندما أحس المسلمون انهم مستغنون عن الآخر.
وقد اكتشف العلماء مثل السيوطي والجواليقي هذه الأصول ، فانفتاح القرآن على هذه المعاني الجوهرية المتعلقة بالصلاة والزكاة وغيرها والانفتاح عليها في لغات الآخرين هو درس لنا أننا لا نعيش إلا بالانفتاح على الآخر وليس هناك عقدة من الآخر . وأتصور أنه لو استبيح النص القرآني لا قدر الله لتلاعب الناس كما استبيح النص المسيحي والنص اليهودي حتى صارت الحركات النسوانية المتمركزة حول الأنثى تفترض في بريطانيا أن يغيروا (son of God) إلى (child of God) لأجل أن لا يكون هناك تميز بين الذكر والأنثى. لو استبيح النص القرآني لا قدر الله للتلاعب لكانت هذه المئتي كلمة قد استؤصلت في عصر الانحطاط استئصالا . والحمد لله أن هذا الاستئصال كان تأويلياً فقط فبقي الأمر على عهدتهم ولم يدخل إلى صلب النص القرآني ، فالانفتاح على الآخر ليس مشكلة والخوف من الآخر هو ظاهرة مرضية ورفض الآخر ليس دائماً مرضياً إذا كان رفضاً للممارسات العدوانية والتصورات المتمحورة والإلغاء والإقصاء.
قد يكون هذا من المدافعة المطلوبة شرعا، و بابا من أبواب الجهاد عظيم، لكن متى نفكر قبل أن يكتب سلمان رشدي روايته الفاجرة، فيقوم الواعظ بلعنها على المنبر، أن نفتح ناديا أدبيا نحتضن فيه شباب الأدب، و ننظم ندوات أدبية، و ننشئ دار نشر للأعمال الأدبية الهادفة، ترعى هؤلاء الشباب إلى أن يصبحوا مبدعين يكتبون الروايات، يملئون بها الساحة و يقدمون بها البديل، و يقدمونها لمن لا يستطيع أن يقرأ كتابا فكريا جادا، يستغني بها عن أمثال سلمان رشدي؟
لكن “العالم” عندنا يظن أن مهمته هي “حفظ الدين”، بأن “ينفي عنه انتحال المبطلين و تحريف الغالين، و يحفظ بيضة الدين”، و كأن أمر الدين قائم و جاهز و متكامل و ليس على العالم إلا أن يحفظه. في حين أن أمر الدين يبلى، و حركة التدين قد تموت في المجتمع، و الرسول (ص) يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (أبو داوود). فالأمر لا يحتاج إلى حفظ فقط، بل إلى إنشاء من جديد. يحتاج إلى دم جديد يدفق في العروق، فكرا و تصورا و سلوكا، ليدافع العتيق و المتخلف، قبل المنحرف المستجد! في حين أن السلف الصالح لم يكونوا يكتفون بالمدافعة، بل كانوا يبادرون لمواجهة كل ما جد من أمورهم. فعمر بن الخطاب لم يهرب إلى الجاهزية، بل واجه طوارئ عصره بكل مسؤولية و معاناة، عبر إجراءات تجديدية جريئة، رغم أن الرسول (ص) لم يكن قد غاب إلا قبل عقد من الزمان. و كان من ذلك اجتهاده في قضية أرض السواد، و تنظيم الجيش على هدى نظام ديوان الجند، و المال على هدى ديوان المال، لدى الفرس. و توقيفه لباب من أبواب الزكاة هو باب المؤلفة قلوبهم، و تعليقه حد السرقة عام الرمادة…إلخ.
لكننا بعد أربعة عشر قرنا ما زال بيننا من يقول بعدم الحاجة إلى تجديد الدين لأنه جاهز. كيف يجدد السلف و وتيرة التغيير بطيئة في زمانهم، و لا نجدد و وتيرة التغيير سريعة جدا في زماننا؟
لا يمكن إلا أن نتكلم وسائل العصر، لقد كان الرسول (ص) يتكلم وسائل عصره. و هنا تكمن مشكلتنا: فكلما أردنا الاستشهاد برسول الله (ص)، إلا و فرغنا مناط الاستشهاد من روحه و جمدنا على الإطار التاريخي. كالذي يحكم على إنتاجية مصنع من خلال مجموع السلعة المنتجة. و هذا لا يصلح في علم الاقتصاد، فلكي نحكم على إنتاجية مصنع يجب أن ننظر إلى بنيته و ليس إلى إنتاجه. لنتخيل شخصا بنى مصنعا ضخما، و استغرق منه ذلك جزءا كبيرا من عمره و أرسى دعائم المنشآت فيه، ثم بعد 23 سنة أنتج 500 طن مثلا، ثم توفي. هل نحكم على منهج الرجل و مشروعه و طموحه من خلال المصنع الذي بني، أم نحكم عليه من خلال الكمية المحدودة التي أنتج، و لا نزيد عليها
و التيار الأول، و هو الأقرب إلى الصواب و إلى فهم روح الشرع الحنيف، ينطلق من القاعدة الأصولية العظيمة: “الأصل الإباحة”، و يتنسم روح الفكرة التي بسطناها أعلاه، في حين يظل التيار الثاني سجين حركة التاريخ، تختلط عليه حدود الإنجاز البشري النسبي بضوابط الاقتداء و التسنن!
بموجب هذا نحب أن نلج إلى أمتنا في عصرنا هذا – كما في كل عصر – بالوسائل التي يتيحها العصر، و بالإمكانات التي يتيحها العصر من جمعية أو حزب أو نقابة أو منظمة حقوقية أو جريدة أو مؤسسة إعلامية أو اقتصادية تدخل كل المواقع من منطلق أصل من الأصول حاسم و هو “الأصل في الأشياء الإباحة”. هذا الأصل كفيل بتحرير العقل المسلم و بتحرر الجسم و المنهج و الإنسان المسلم الذي كبل بالتآمر الخارجي و كبل بالتكلس الداخلي، و صار المسلم كلما اخترعت وسيلة يرفضها و يحرمها، في حين كان من الأولى أن يكون هو مبدع تلك الوسيلة. و قد عوقت الحركة الإسلامية المعاصرة بموجب ذلك، ذاتها بذاتها، و حصل من هذا التعويق أن الآخر يتفوق عليها بشكل تلقائي.
