Saturday, March 24, 2007

يا أيها المسلمون فل نعانق السحاب

 الحوار والفزع من الآخر
عندما نتحدث عن الحوار وأخلاق الحوار ونحاول أن نستلهم دروس القرآن الكريم في إرساء قواعد هذا السلوك الحضاري، كثيراً ما ترتسم على الوجوه علامات القلق والوجوم وكثيراً ما ترى من الإشارات والعبارات ما يدل على ما يمكن أن نسميه الفزع من الآخر. فكيف يمكن المضي في تأصيل وممارسة سلوك الحوار في مثل هذا الجو المتشنج؟

وكيف وصلنا إلى هذه الحالة من الفزع من الآخر ؟ هذا ما أحاول أن ألقي عليه بعض الأضواء.

أولا : الفزع من الآخر ورفضه هو حالة مرضية ولكن الأمثلة التي تضرب في هذا المجال يبدوا أنها تخلط بين مستويين من الحوار والتواصل . فإذا ذكرنا الصهيونية والإمبريالية فيجب أن لا نخلط هذا بالمستوى الفكري عندما نذكر الأخر. المسلم كإنسان ذو رسالة حضارية يتشبع بها بدرجات متفاوتة واعية أو غير واعية ضعيفة أو قوية تكسبه آلية للدفاع عن نفسه وهويته بشكل طبيعي، فرفض الآخر لما نتكلم عن الصهيونية والاستعمار هو رفض مشروع سياسي وهذا طبيعي وظاهرة صحية. ولكن تختلف تمظهرات هذا الرفض وقد تكون غير سليمة أو عاجزة أو تزيد الطين بلة ، أو تكون مجرد ردود أفعال… ولكن أصل الرفض ظاهرة صحية تتعلق بمناعة الجسم وآليته التلقائية للدفاع ، أما رفض الآخر من حيث هو فكرة فهو رفض مرضيّ. أما كيف وصلنا إليه فهذا موضوع آخر يحتاج إلى دراسة وتحليل، ويحتاج إلى قراءة في تاريخ الاجتماع الإسلامي وتاريخ العقل المسلم وتاريخ الممارسة الإسلامية في الفكر والفعل الحضاري ولكن بشكل عام وصلنا إلى الرفض المطلق للآخر عندما وصلنا إلى الضعف المطلق

فبقدر شعورك بالضعف بقدر رفضك للآخر ، وبقدر إحساسك أن أساس بيتك غير متماسك وأن أوراقك ستطير فإنك ستغلق النوافذ من أجل أن لا يأتي الريح ويجتاح أساس بيتك و أوراقك، ولكنك عندما تغلق لتستقر تنسى أنك تغلق ضد الهواء وضد الأكسيجين فتموت وتختنق وتكون آمنا وثابتاً ودافئاً ومختنقاً. والذي حصل أن المسلمين بدأوا يخافون من الآخر ويرفضونه بقدر إحساسهم بالضعف، كالأم التي تخاف على ابنها بشكل مرضيّ ، فيكون عندها حالة عاطفية بعد خروج ابنها من الرحم فتنسى وتخلق له رحماً عاطفياً وسلوكياً وتنسجه من حوله، ويكبر الولد أحياناً ويتزوج وما زالت الأم تتعامل معه وكأنه داخل رحمها. فالخوف المرَضِي على الولد هو الذي يؤدى إلى أن تحاول أن تحميه من الريح والأمراض بعزله ، ولو أنها مكنته من عملية التحصين الداخلي وقذفت به في الحياة لكي يفعل ويغامر ويتغير وينتج لكان مصدر فخر لها ولهذا الخوف من الآخر قرين الإحساس بالضعف وفي تاريخ الإسلام انفتح المسلمون على الثقافات الأخرى والحضارات الأخرى والعلوم الأخرى بدون عقدة خوف واستوعبوها وهضموها ، وفككوا بناها ولم يخضعوا لمنطقها، وتعاملوا معها كما يتعامل البناء الماهر الذي يأتي وليس عنده مواد أولية كافية فيهدم بناء قديم ويحافظ على المواد الأولية في البناء ثم يعيد ترتيبها في منظومة عبقرية جديدة منافية وهذا هو الذي فعله الإسلام “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” . جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنظومة الجاهلية فهدم قواعد ترتيبها دون أن يبيدها، فقواعد القوة العسكرية التي وجدها النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع الجاهلية حول وجهتها إلى الجهاد من الاقتتال على الكلأ والماء والسلب والنهب إلى غير ذلك. وكذلك وجد النبي في القوم مهارة في التجارة تركها ولكن وضع لها ضوابط، فلا احتكار ولا ربا ولا حمى ولا غش ولا ضرر ولا ضرار. فالإسلام لم يتعامل مع الجاهلية بمنطق النفي والإقصاء بل تعامل بمنطق جدلي فيه أخذ وعطاء وإعادة ترتيب، فالإسلام أخذ كل قوى الجاهلية وأعاد توظيفها بمنطق البناء الهادف .

والقرآن الكريم يقدم هذا الدرس ، فالقرآن الكريم يفخر في ستة مواضع بأنه قرآن عربي. والقرآن الكريم كذلك لم يستعمل من العربية إلا عشرة بالمائة أقل من مائة وخمسين ألف كلمة مقابل مليون ونصف كلمة عربية. إذاً لم يستنفد القرآن الكريم العربية حتى يذهب إلى سواها. فالقرآن عربي والمفروض انه لا يحتاج إلى الآخر وعمليا مازال عنده وفرة، فلماذا يعتمد القرآن مائتي كلمة من تسع لغات. هذا درس في الانفتاح على الآخر ، وإن إثبات هويتك كعربي لا تتم إلا بالانفتاح على الآخر وعناصر بناء الآخر وإعادة تشكيلها. فتمام الهوية يتم بالانفتاح على هوية الآخر، ولا تعيش هوية بذاتها أبداً بل تموت بالعزلة والتقوقع. وقد سألت المفكر روجيه جارودي أن يلخّص لي بكلمات قليلة كيف انتقل المسلمون من العظمة إلى الانحطاط (وهو عنوان لأحد كتبه)، قال لي: عندما أحس المسلمون انهم مستغنون عن الآخر.

ينغلق الإنسان ويبدأ يتساقط ويتحات ويتفتت ويموت لأنه أحس شروط تماسكه تتمثل بأن يتقوى ويتحصن بالآخر. لقد اعتمد القرآن الكريم مائتي كلمة من تسع لغات: العبرية والآرامية والفارسية والإغريقية واللاتينية والسريانية والحبشية ، وقد جمعها الإمام السيوطي في كتابه المهذب فيما وقع في القرآن الكريم من المعرب وجمعها الجواليقي، وهناك علم قائم اسمه “المعرب من القرآن” . والقرآن الكريم لم ينفتح على كلمات ثانوية بل انفتح على كلمات أساسية هي مفاتيح معاني في بابها. فمن الآرامية أخذ القرآن الكريم أهم العبارات الدينية الأساسية فـ(صلاة) أصلها (صلوة) وزكاة أصلها (زكوة) وجهنم أصلها (غهنم). ومن الإغريقية أخذ الصراط وأصلها (سراطا). وكان بعض علماء اللغة أقرب إلى الإضحاك عندما رفضوا هذا وقالوا أنه لا ينسجم أن يكون القرآن عربياً وفيه هذه الكلمات ، لأنهم يفهمون الهوية أنها توجه ضد الآخر ومستغني عن الآخر ، فبدأت عملية التأويل المبتذلة كما فعل ابن فارس في معجمه العبقري الفريد بما وصل به إلى الإضحاك والابتذال لإثبات استغناء القرآن عن الآخر بتوجه منغلق متعجرف .

وقد اكتشف العلماء مثل السيوطي والجواليقي هذه الأصول ، فانفتاح القرآن على هذه المعاني الجوهرية المتعلقة بالصلاة والزكاة وغيرها والانفتاح عليها في لغات الآخرين هو درس لنا أننا لا نعيش إلا بالانفتاح على الآخر وليس هناك عقدة من الآخر . وأتصور أنه لو استبيح النص القرآني لا قدر الله لتلاعب الناس كما استبيح النص المسيحي والنص اليهودي حتى صارت الحركات النسوانية المتمركزة حول الأنثى تفترض في بريطانيا أن يغيروا (son of God) إلى (child of God) لأجل أن لا يكون هناك تميز بين الذكر والأنثى. لو استبيح النص القرآني لا قدر الله للتلاعب لكانت هذه المئتي كلمة قد استؤصلت في عصر الانحطاط استئصالا . والحمد لله أن هذا الاستئصال كان تأويلياً فقط فبقي الأمر على عهدتهم ولم يدخل إلى صلب النص القرآني ، فالانفتاح على الآخر ليس مشكلة والخوف من الآخر هو ظاهرة مرضية ورفض الآخر ليس دائماً مرضياً إذا كان رفضاً للممارسات العدوانية والتصورات المتمحورة والإلغاء والإقصاء.

* استاذ اللسانيات في جامعة الحسن الثاني وعضو البرلمان المغربي ومن المساهمين في مسيرة الفكر الإسلامي

المسلم المعاصر أمام حركة الواقع و الاجتهاد
 
أجمع وعاظنا المعاصرون فوق منابرهم، على الحديث عن “فساد الزمان” و عن “الحركات الضالة” في صيغها المعاصرة، فتجد أحدهم تارة يرد على “مقال إلحادي”، و مرة يواجه “استمارة نسوانية” أو أخرى ينتقد “فنانا منحلا” و رابعة ينبه إلى “رواية فاسدة”.
قد يكون هذا من المدافعة المطلوبة شرعا، و بابا من أبواب الجهاد عظيم، لكن متى نفكر قبل أن يكتب سلمان رشدي روايته الفاجرة، فيقوم الواعظ بلعنها على المنبر، أن نفتح ناديا أدبيا نحتضن فيه شباب الأدب، و ننظم ندوات أدبية، و ننشئ دار نشر للأعمال الأدبية الهادفة، ترعى هؤلاء الشباب إلى أن يصبحوا مبدعين يكتبون الروايات، يملئون بها الساحة و يقدمون بها البديل، و يقدمونها لمن لا يستطيع أن يقرأ كتابا فكريا جادا، يستغني بها عن أمثال سلمان رشدي؟
لكن “العالم” عندنا يظن أن مهمته هي “حفظ الدين”، بأن “ينفي عنه انتحال المبطلين و تحريف الغالين، و يحفظ بيضة الدين”، و كأن أمر الدين قائم و جاهز و متكامل و ليس على العالم إلا أن يحفظه. في حين أن أمر الدين يبلى، و حركة التدين قد تموت في المجتمع، و الرسول (ص) يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (أبو داوود). فالأمر لا يحتاج إلى حفظ فقط، بل إلى إنشاء من جديد. يحتاج إلى دم جديد يدفق في العروق، فكرا و تصورا و سلوكا، ليدافع العتيق و المتخلف، قبل المنحرف المستجد! في حين أن السلف الصالح لم يكونوا يكتفون بالمدافعة، بل كانوا يبادرون لمواجهة كل ما جد من أمورهم. فعمر بن الخطاب لم يهرب إلى الجاهزية، بل واجه طوارئ عصره بكل مسؤولية و معاناة، عبر إجراءات تجديدية جريئة، رغم أن الرسول (ص) لم يكن قد غاب إلا قبل عقد من الزمان. و كان من ذلك اجتهاده في قضية أرض السواد، و تنظيم الجيش على هدى نظام ديوان الجند، و المال على هدى ديوان المال، لدى الفرس. و توقيفه لباب من أبواب الزكاة هو باب المؤلفة قلوبهم، و تعليقه حد السرقة عام الرمادة…إلخ.
لكننا بعد أربعة عشر قرنا ما زال بيننا من يقول بعدم الحاجة إلى تجديد الدين لأنه جاهز. كيف يجدد السلف و وتيرة التغيير بطيئة في زمانهم، و لا نجدد و وتيرة التغيير سريعة جدا في زماننا؟
يضطرنا الحديث عن الاقتحام و تقديم البدائل إلى نقطة منهجية لا بد من الحديث عنها: بأي وسائل نقدم البدائل؟ و على أي مستوى تتخلق هذه البدائل؟ هل الأخذ بوسائل العصر أم الأخذ بوسائل الزمن القديم باسم “السنة”، و باسم السلف و الاقتداء؟
لا يمكن إلا أن نتكلم وسائل العصر، لقد كان الرسول (ص) يتكلم وسائل عصره. و هنا تكمن مشكلتنا: فكلما أردنا الاستشهاد برسول الله (ص)، إلا و فرغنا مناط الاستشهاد من روحه و جمدنا على الإطار التاريخي. كالذي يحكم على إنتاجية مصنع من خلال مجموع السلعة المنتجة. و هذا لا يصلح في علم الاقتصاد، فلكي نحكم على إنتاجية مصنع يجب أن ننظر إلى بنيته و ليس إلى إنتاجه. لنتخيل شخصا بنى مصنعا ضخما، و استغرق منه ذلك جزءا كبيرا من عمره و أرسى دعائم المنشآت فيه، ثم بعد 23 سنة أنتج 500 طن مثلا، ثم توفي. هل نحكم على منهج الرجل و مشروعه و طموحه من خلال المصنع الذي بني، أم نحكم عليه من خلال الكمية المحدودة التي أنتج، و لا نزيد عليها
“اقتداء” و “اهتداء” به؟
لقد بنى الرسول (ص) مشروعا حضاريا ضخما، و طبيعة السنة الكونية، سنة التدرج، ألا تظهر نتائج هذا المشروع إلا بعد عدة عقود. لقد بعث النبي (ص) في أمة أمية، و لكنه أول من اصطفى إليه كتبة الوحي، و دعا إلى الكتابة. و أخذ أسرى بدر فعاهد بعضهم على أن يعلم كل واحد منهم عشرة من الصبية… و هو الذي جاء بوحي، أول كلمة فيه “اقرأ”. لكن مشروع التدوين لم يكتمل إلا على رأس القرن الرابع الهجري، لما أصبحت العلوم الإسلامية أوسع من أن تستوعب شفويا. و لا يمكن أن نحكم على التجربة الإسلامية في مجال التدوين في عهد الرسول (ص) باعتباره القدوة، بالاقتصار على ما أنجزه عهد الرسول (ص) من المؤلفات و المدونات ثم نقيس عليه! لأننا سنجد كتابا واحدا هو القرآن وحده، و بعض صحائف من الحديث أذن النبي (ص) بكتابتها. و القرآن نفسه لم يكن مكتوبا إلا على عظام و سعف النخل. لكن المهم هو الانطلاقة، و الإطار الذي وضع. أما الإنتاج فهو محصور بحدود بشرية محدودة. و على هذا المثال يمكن أن يطرد القياس
إننا نعيش مثلا تداعيات “قضية المرأة”، و هي من أخطر المشكلات اليوم لأنها تفجرت على الصعيد السياسي و القانوني. لكن “الخطاب الإسلامي” الذي يحارب العلمانيين و المتغربين هو أيضا خطاب تقليدي في أغلب مضمونه، يحاول أن يكرس عقلية “عصر الانحطاط” التي تنظر إلى المرأة نظرة سلبية تحقيرية و تجعل الرجل مهيمنا على مجالات التفكير و النشاط و اتخاذ القرار بقراءات متخلفة للإسلام، و ركوب على نصوص اجتزئت من سياقها. و أقوى مستند عند القراءة التقليدية للمرأة هي أنها تنظر إلى حجم الإنجاز النسوي في عهد الرسول (ص)، في حين أن حجم الإنجاز النسوي في عهده (ص) ليس هو حدود الإنجاز النسوي في الإسلام، فتلك المرحلة لم تكن سوى عينة نموذجية سمح بها الزمان المحدود، ثم وقعت الأمة بعد ذلك في نكسة و مضى المشروع الإسلامي في عكس اتجاهه. و هذا الإشكال المنهجي، وراء كل مظاهر سوء التفاهم بين تيارين كبيرين داخل مجتمعاتنا اليوم: أحدها يريد أن يفسح للمرأة كل مجالات المشاركة إلى أقصى حد، متوقفا فقط عند النصوص القطعية الورود و الدلالة، التي قد تحظر على المرأة - و استثناء فقط - بعض الوظائف المحدودة المعدودة، و ثانيهما يسعى - بالعكس - إلى قصر نشاطها على أضيق المجالات و أقلها عددا و شأنا بحجة أن غيرها من المجالات لم تعرفها المرأة في العهد الأول للنبوة و الخلافة، فهي بدع محرمة و ضلالات مستجدة، انفتحت علينا كالجحيم بسبب عدوى التغريب و ضلالات الاستعمار و العولمة!
و التيار الأول، و هو الأقرب إلى الصواب و إلى فهم روح الشرع الحنيف، ينطلق من القاعدة الأصولية العظيمة: “الأصل الإباحة”، و يتنسم روح الفكرة التي بسطناها أعلاه، في حين يظل التيار الثاني سجين حركة التاريخ، تختلط عليه حدود الإنجاز البشري النسبي بضوابط الاقتداء و التسنن!
نواصل في القسم الثاني و الأخير، من موضوع حركية الاجتهاد في الوعي الإسلامي المعاصر تقديم مثال آخر على معاناة الفكر السعي لتخليص الشرع من أسر التاريخ، حتى يستبين داخل منطق التشريع ما هو جوهري خالد، يمثل القوانين الكلية المطلقة، و ما هو مرحلي مؤقت، يراعي المرحلية و المرونة و ضواغط الواقع العارض. و لكنه قد يتحول إلى عائق حقيقي في وجه الاجتهاد حين لا يتم إدراكه على هذا النحو.
إن مثال حكم الإسلام في الرقيق، يساعدنا جيدا على إدراك إشكال تفاعل الشرع مع حركة التاريخ، بما لا يؤدي إلى خلط المبدأ في الحكم الشرعي، بضرورات الواقع الضاغط. لا أحد يشك في أن الأصول العامة العقدية تقوم على مساواة أبناء آدم كأسنان المشط، فلا فضل إلا بالتقوى، و على تكريم الإنسان في خلقه و تحريره و تكليفه بالرسالة المشرفة: عبادة الله. و في هذا الإطار نضع مجموعة من الأحكام الشرعية موضع الاعتبار المؤقت: فباب العبد الآبق مثلا، لا يفهم منه أنه أمر للعبيد للبقاء في بيوت أسيادهم تكريسا لظاهرة العبودية، و إنما نفهم منه رفض الإسلام لحل المشاكل عن طريق الفوضى، التي ستتسبب في فساد الأموال و الأعراض و تؤدي إلى اختلال العلاقات في المجتمع، تماما كما أن الإسلام منع الانتقام و شرع القصاص، و لم يمنع الانتقام لأنه أراد أن يحرم الناس من حقهم في القود، بدليل انه نظم هذا القود عن طريق القصاص.
و إلا كيف نفهم بالمقابل بقية الأحكام الشرعية المتضافرة للقضاء على ظاهرة الرق (إغلاق خمسة أبواب للرق من أصل سبعة، جعل العتق من أحسن الكفارات و أفضل أبواب البر، الحث على المكاتبة بين العبد و سيده، عدم استثناء العبيد من أي سبب للشرف الحقيقي كالأمامة مثلا).
إن الأزمة ليست في النصوص، بل في الرؤية لهذه النصوص. و الرؤية منطلق، و المنطلق ثابت من الثوابت الكبرى يفهم في إطار حركة الحياة، و السنة الكونية. و بموجب هذا قام عمر بن الخطاب (ص) باجتهاداته المعروفة. نفهم من ذلك بأن هذا التشريع جاء في إطار حركة تدريجية. و في هذا الإطار أيضا نفهم الناسخ و المنسوخ، و الأحكام الشرعية التي تغيرت حتى يتهيأ المجتمع الإسلامي للحكم الشرعي النهائي القطعي
في إطار هذه الرؤية التجديدي، و في إطار التصور الواقعي لحركة تنزيل الدين على المجتمع، يصبح لازما أن نجيب على السؤال المطروح سلفا بالآتي: إن طرح البدائل يعني الأخذ بوسائل العصر، و قد فعل الرسول (ص) ذلك: لقد وجد الكفار يجتمعون في الأسواق التجارية فولجها عليهم، و وجدهم يجتمعون في الأسواق الدينية مثل الحج، فاقتحم عليهم هذه الأسواق. و وجدهم يجتمعون في الأسواق الأدبية فزاحمهم فيها. وجد الأسواق الاقتصادية قائمة على الغش و الاحتكار و الربا، لكنه ولج هذه الأسواق، دون أن يعني ولوجه ذاك تزكية لتلك التجمعات. لم ينظر الرسول (ص) إلى الأصل الفاسد الذي تقوم عليه تلك التجمعات: فتجمعات العبادة كانت قائمة على البدعة. و شر البدع ما جمع في الحج. و أسواق الأدب كانت قائمة على المفاخرة و التشدق و الشقشقة و التي نهى عنها الإسلام، و الفجور في الكلام، و على الخمر و الغزل الفاحش… لم ينظر إلى أساسها الفاسد عقديا و تشريعيا و أدبيا و اقتصاديا، و إنما نظر إلى كونها – على المستوى التقني – تجمعا بشريا يمكنه من أكبر قدر من الاتصال.
لقد كانت دار الندوة تمثل تجمع الصفوة الأرستقراطية، و الملأ القرشي الظالم، و هي محتكرة عليهم و فيها يبرمون قراراتهم، و الدخول إليها قد يفهم على أنه تزكية للدكتاتورية القائمة في هذا التجمع. و لكن النبي (ص) لم ير هناك إلا تجمعا بشريا ولجه لكي يلقي كلمة الإسلام و يبلغ رسالته. كما دخل عيسى عليه السلام قبله على اليهود الهيكل.
بموجب هذا نحب أن نلج إلى أمتنا في عصرنا هذا – كما في كل عصر – بالوسائل التي يتيحها العصر، و بالإمكانات التي يتيحها العصر من جمعية أو حزب أو نقابة أو منظمة حقوقية أو جريدة أو مؤسسة إعلامية أو اقتصادية تدخل كل المواقع من منطلق أصل من الأصول حاسم و هو “الأصل في الأشياء الإباحة”. هذا الأصل كفيل بتحرير العقل المسلم و بتحرر الجسم و المنهج و الإنسان المسلم الذي كبل بالتآمر الخارجي و كبل بالتكلس الداخلي، و صار المسلم كلما اخترعت وسيلة يرفضها و يحرمها، في حين كان من الأولى أن يكون هو مبدع تلك الوسيلة. و قد عوقت الحركة الإسلامية المعاصرة بموجب ذلك، ذاتها بذاتها، و حصل من هذا التعويق أن الآخر يتفوق عليها بشكل تلقائي.
إن المقصود بالحركية إذن، هو الحركة التي تنزل إلى الشارع و تطرح البدائل و تبتكر. و الابتكار و طرح البدائل بدل النقد، يستلزم الأخذ بوسائل العصر. و المرتكز الأصولي لهذا الأخذ هو قانون “الأصل في الأشياء الإباحة”، و رحم الله من قال: “واحد يوقد شمعة خير من ألف يلعنون الظلام”!
أبو زيد المقرئ الإدريسي – المغرب.
Posted by the islamic yaser at 20:02:45 | Permalink | Comments (1) »